فخر الدين الرازي
481
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأما قوله : ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ففيه وجوه : الأول : قال مقاتل : ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير . والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 66 ] قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا موثوقا به وقوله : مِنَ اللَّهِ أي عهدا موثوقا به بسبب تأكده بإشهاد اللَّه وبسبب القسم باللَّه عليه ، وقوله : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ دخلت اللام هاهنا لأجل أنا بينا أن المراد بالموثق من اللَّه اليمين فتقديره : حتى تحلفوا باللَّه لتأتنني به . وقوله : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فيه بحثان : البحث الأول : قال صاحب « الكشاف » : هذا الاستثناء متصل . فقوله : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ مفعوله له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون / من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة . البحث الثاني : قال الواحدي للمفسرين فيه قولان : القول الأول : أن قوله : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ معناه الهلاك قال مجاهد : إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] أي أصابه ما أهلكه . وقال تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به . والقول الثاني : ما ذكره قتادة إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين ، فلا تقدرون على الرجوع . ثم قال تعالى : فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ يريد شهيد ، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر . وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم : لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وفيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا هاهنا مقامان . المقام الأول : إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه : الأول : إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . والثاني : ما روي أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : « أعيذكما